فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القرطبي:

قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}.
أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها؛ مثل قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] يريد كالبهائم مهملًا لغير فائدة.
قال الترمذيّ الحكيم أبو عبد الله محمد بن عليّ: إن الله تعالى خلق الخلق عبيدًا ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة ويعقابهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السّلام؛ وإن رفضوا العبوديّة فهم اليوم عبيد أُبّاق سُقّاط لئام، وغدًا أعداء في السجون بين أطباق النيران.
و{عَبَثًا} نصب على الحال عند سيبويه وقُطْرُب.
وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له.
{وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} فتجازون بأعمالكم.
قرأ حمزة والكسائيّ {تَرْجِعون} بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع.
قوله تعالى: {فَتعالى الله الملك الحق}.
أي تنزّه وتقدّس الله الملِك الحق عن الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق شيئًا عبثًا أو سفهًا؛ لأنه الحكيم.
{لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم} ليس في القرآن غيرها.
وقرأ ابن مُحَيْصِن وروي عن ابن كثير {الكرِيمُ} بالرفع نعتًا لله.
قوله تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}.
أي لا حجة له عليه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} أي هو يعاقبه ويحاسبه.
{إِنَّهُ} الهاء ضمير الأمر والشأن.
{لاَ يُفْلِحُ الكافرون} وقرأ الحسن وقتادة {لا يَفْلَح} بالفتح من كذب وجحد ما جئت به وكفر نعمتي.
ثم أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لتقتدي به الأمة.
وقيل: أمره بالاستغفار لأمته.
وأسند الثعلبيّ من حديث ابن لَهِيعة عن عبد الله بن هُبيرة عن حَنَش بن عبد الله الصنعانيّ عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلًى فقرأ في أذنه {أفحسِبتم أنما خلقناكم عَبَثًا} حتى ختم السورة فبرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره، فقال: «والذي نفسي بيده لو أن رجلًا موقنًا قرأها على جبل لزال». اهـ.

.قال أبو حيان:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثًا}.
وانتصب {عَبَثًا} على الحال أي عابثين أو على أنه مفعول من أجله، والمعنى في هذا ما خلقناكم للعبث، وإنما خلقناكم للتكليف والعبادة.
وقرأ الأخوان {لاَ تُرْجَعُونَ} مبنيًا للفاعل، وباقي السبعة مبنيًا للمفعول، والظاهر عطف {وَإِنَّكُمْ} على {إِنَّمَا} فهو داخل في الحسبان.
وقال الزمخشري: يجوز أن يكون على {عَبَثًا} أي للعبث ولترككم غير مرجوعين انتهى.
{فتعالى الله} أي تعاظم وتنزه عن الصاحبة والولد والشريك والعبث وجميع النقائص، بل هو {الملك الحق} الثابت هو وصفاته العلي و{الكريم} صفة للعرش لتنزل الخيرات منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
وقرأ أبان بن تغلب وابن محيصن وأبو جعفر وإسماعيل عن ابن كثير {الكريم} بالرفع صفة لرب العرش أو {العرش}، ويكون معطوفًا على معنى المدح.
و{مِنْ} شرطية والجواب {فَإِنَّمَا} و{لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} صفة لازمة لا للاحتراز من أن يكون ثم آخر يقوم عليه برهان فهي مؤكدة كقوله: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} ويجوز أن تكون جملة اعتراض إذ فيها تشديد وتأكيد فتكون لا موضع لها من الإعراب كقولك: من أساء إليك لا أحق بالإساءة منه، فأسيء إليه.
ومن ذهب إلى أن جواب الشرط هو {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} هروبًا من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع له برهان فلا يصح لأنه يلزم منه حذف الفاء في جواب الشرط، ولا يجوز إلاّ في الشعر وقد خرجناه على الصفة اللازمة أو على الاعتراض وكلاهما تخريج صحيح.
وقرأ الحسن وقتادة انه لايفلح بفتح الهمزة، أي هو فوضع الكافرون موضع الضمير حملا على معنى من والجمهور بكسر الهمزة وخبر حسابه الظرف أنه استئناف وقرأ الحسن يفلح بفتح الفاء واللام وافتتح السورة بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} وأورد في خاتماتها إنه لا يفلح الكافرون فانظر تفاوت بين الإفتتاح والاختتام، ثم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يدعوا بالغفران والرحمة وقرأابن محيص وقرأ الحسن وقتادة {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ} بفتح الهمزة أي هو فوضع {الكافرون} موضع الضمير حملًا على معنى من، والجمهور بكسر الهمزة وخبر {حِسَابُهُ} الظرف و{أَنَّهُ} استئناف.
وقرأ الحسن {يُفْلِحُ} بفتح الفاء واللام، وافتتح السورة بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} وأورد في خاتمتها {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون} فانظر تفاوت ما بين الافتتاح والاختتام.
ثم أمر رسوله عليه السلام بأن يدعو بالغفران والرحمة.
وقرأ ابن محيصن {رَبّ} بضم الباء. اهـ.

.قال أبو السعود:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثًا}.
أي ألم تعلمُوا شيئًا فحسبتُم أنَّما خلقناكُم بغيرِ حكمةٍ بالغةٍ حتَّى أنكرتُم البعثَ. فعبثًا حالٌ من نون العظمةِ أي عابثينَ، أو مفعولٌ له أي إنَّما خلقناكم للعَبَث {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} عطفٌ على أنَّما فإنَّ خلقَكم بغير بعثٍ من قبيل العَبَثِ وإنَّما خلقناكُم لنعيدَكُم ونجازيَكُم على أعمالِكم. وقرئ {تَرجعون} بفتحِ التَّاءِ من الرُّجوعِ.
{فتعالى الله} استعظامٌ له تعالى ولشؤونِه التي تُصرَّفُ عليها عبادُه من البدءِ والإعادةِ والإثابةِ والعقابِ بموجب الحكمةِ البالغةِ أي ارتفعَ بذاتِه وتنزَّه عن مماثلةِ المخلوقينَ في ذاتِه وصفاتِه وأحوالِه وأفعالِه وعن خلوِّ أفعالِه عن الحكمِ والمصالحِ والغاياتِ الحميدةِ {الملك الحق} الذي يحقُّ له المُلكُ على الإطلاقِ إيجادًا وإعدامًا بَدءًا وإعادة إحياءً وإماتةً عقابًا وإثابةً، وكلُّ ما سواهُ مملوكٌ له مقهورٌ تحتَ ملكوتِه {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} فإنَّ كلَّ ما عداهُ عبيدُه {رَبُّ العرش الكريم} فكيف بما تحتَهُ ومحاط به من الموجوداتِ كائنًا ما كان. ووصفُه بالكرمِ إمَّا لأنَّه منه ينزلُ الوحيُ الذي منه القرآنُ الكريمُ أو الخيرُ والبركةُ والرحمةُ. أو لنسبته إلى أكرمِ الأكرمينَ وقرئ الكريمُ بالرَّفعِ على أنَّه صفةُ الرَّبِّ كما في قوله تعالى: {ذُو العرش المجيد} {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ} يعبدُه إفرادًا أو إشراكًا {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} صفةٌ لازمةٌ لإلها كقولِه تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} جيءَ بها للتَّأكيدِ وبناءِ الحُكمِ عليه تنبيهًا على أنَّ التَّدينِ بما لا دليلَ عليه باطلٌ فكيفَ بما شهدتْ بديهةُ العُقولِ بخلافِه. أو اعتراضٌ بين الشَّرط والجزاءِ كقولِك: مَن أحسنَ إلى زيدٍ لا أحقَّ منه بالإحسانِ فالله مثيبُه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ} فهو مجازٍ له على قدرِ ما يستحقُّه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون} أي إنَّ الشَّأنَ الخ. وقرئ بالفتحِ على أنَّه تعليلٌ أو خبرٌ ومعناهُ حسابُه عدمُ الفلاحِ.
والأصلُ: حسابُه إنَّه لا يُفلحُ هو فوُضعَ الكافرونَ موضعَ الضّميرِ لأنَّ من يدعُ في معنى الجمعِ وكذلك حسابُه أنَّه لا يفلحُ في معنى: حسابُهم أنَّهم لا يُفلحون. بُدئتِ السُّورةُ الكريمة بتقريرِ فلاحِ المُؤمنين وخُتمتْ بنفيِ الفلاحِ عن الكافرينَ ثم أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفارِ والاسترحامِ فقيل: {وَقُل رَّبّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الرحمين} إيذانًا بأنَّهما من أهمِّ الأمورِ الدِّينيةِ حيثُ أُمر به من قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر فكيف بمَن عداهُ. اهـ.

.قال الألوسي:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثًا}.
أي ألم تعلموا شيئًا فحسبتم أنما خلقناكم بغير حكمة حتى أنكرتم البعث فعبثًا حال من نون العظمة أي عابثين أو مفعول له أي أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث وهو ما خلا عن الفائدة مطلقًا أو عن الفائدة المعتد بها أو عما يقاوم الفعل كما ذكره الأصوليون.
واستظهر الخفاجي إرادة المعنى الأول هنا واختار بعض المحققين الثاني {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} عطف على {أَنَّمَا خلقناكم} أي أفحسبتم ذلك وحسبتم أنكم لا تبعثون.
وجوز أن يكون عطفًا على {عَبَثًا} والمعنى أفحسبتم أنما خلقناكم للعبث ولترككم غير مرجوعين أو عابثين ومقدرين أنكم إلينا لا ترجعون، وفي الآية توبيخ لهم على تغافلهم وإشارة إلى أن الحكمة تقتضي تكليفهم وبعثهم للجزاء.
وقرأ الأخوان {تُرْجَعُونَ} بفتح التاء من الرجوع.
{فتعالى الله} استعظام له تعالى ولشؤونه سبحانه التي يصرف عليها عباده جل وعلا من البدء والإعادة والإثابة والعقاب بموجب الحكمة البالغة أي ارتفع سبحانه بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة.
{الملك الحق} أي الحقيق بالمالكية على الإطلاق إيجادًا وإعدامًا بدأ وإعادة إحياء وإماتة عقابًا وإثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكوتيته، وقيل: الحق أي الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه، وهذا وإن كان أشهر إلا أن الأول أوفق بالمقام {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} فإن كل ما عداه عبيده تعالى: {رَبُّ العرش الكريم} وهو جرم عظيم وراء عالم الأجسام والأجرام وهو أعظمها وقد جاء في وصف عظمه ما يبهر العقول فيلزم من كونه تعالى ربه كونه سبحانه رب كل الأجسام والأجرام، ووصف بالكريم لشرفه وكل ما شرف في بابه وصف بالكرم كما في قوله تعالى: {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26] وقوله سبحانه: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] إلى غير ذلك.
وقد شرف بما أودع الله تعالى فيه من الأسرار، وأعظم شرف له تخصيصه باستوائه سبحانه عليه، وقيل إسناد الكرم إليه مجازي والمراد الكريم ربه أو المراد ذلك على سبيل الكناية، وقيل: هو على تشبيه العرش لنزول الرحمة والبركة منه بشخص كريم ولعل ما ذكرناه هو الأظهر.
وقرأ أبان بن تغلب وابن محيصن وأبو جعفر وإسماعيل عن ابن كثير {الكريم} بالرفع على أنه صفة الرب، وجوز أن يكون صفة للعرش على القطع وقد يرجح بأنه أوفق بقراءة الجمهور.
{وَمَن يَدْعُ} أي يعبد {مَعَ الله} أي مع وجوده تعالى وتحققه سبحانه {وَلاَ تَجْعَلُواْ} إفرادًا أو إشراكًا أو من يعبد مع عبادة الله تعالى إلهًا آخر كذلك، ويتحقق هذا في الكافر إذا أفرد معبوده الباطل بالعبادة تارة وأشركه مع الله تعالى أخرى، وقد يقتصر على إرادة الإشراك في الوجهين ويعلم حال من عبد غير الله سبحانه إفرادًا بالأولى.
وذكر {ءاخَرَ} قيل إنه للتصريح بألوهيته تعالى وللدلالة على الشريك فيها وهو المقصود فليس ذكره تأكيدًا لما تدل عليه المعية وإن جوز ذلك فتأمل.